الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

226

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

العامل أن تكون الأحوال فيه سجالا ومداولة ، وذكّرهم بأحوال الأمم الماضية ، فقال : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ . واللّه قادر على نصرهم ، ولكن الحكمة اقتضت ذلك لئلّا يغترّ من يأتي بعدهم من المسلمين ، فيحسب أنّ النّصر حليفهم . ومعنى خلت مضت وانقرضت . كقوله تعالى : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [ آل عمران : 137 ] . والسنن جمع سنة - وهي السيرة من العمل أو الخلق الذي يلازم المرء صدور العمل على مثالها قال لبيد : من معشر سنّت لهم آباؤهم * ولكلّ قوم سنّة وإمامها وقال خالد الهذلي يخاطب أبا ذؤيب الهذلي : فلا تجزعن من سنّة أنت سرتها * فأوّل راض سنّة من يسيرها وقد تردّد اعتبار أئمّة اللّغة إيّاها جامدا غير مشتقّ ، أو اسم مصدر سنّ ، إذ لم يرد في كلام العرب السّنّ بمعنى وضع السنّة ، وفي « الكشاف » في قوله : سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ * في سورة الأحزاب [ 38 ] : سنة اللّه اسم موضوع موضع المصدر كقولهم تربا وجندلا ، ولعلّ مراده أنّه اسم جامد أقيم مقام المصدر كما أقيم تربا وجندلا مقام تبّا وسحقا في النصب على المفعولية المطلقة ، الّتي هي من شأن المصادر ، وأنّ المعنى تراب له وجندل له أي حصب بتراب ورجم بجندل . ويظهر أنّه مختار صاحب « القاموس » لأنّه لم يذكر في مادّة سنّ ما يقتضي أنّ السنّة اسم مصدر ، ولا أتى بها عقب فعل سنّ ، ولا ذكر مصدرا لفعل سنّ . وعلى هذا يكون فعل سنّ هو المشتقّ من السنّة اشتقاق الأفعال من الأسماء الجامدة ، وهو اشتقاق نادر . والجاري بكثرة على ألسنة المفسّرين والمعربين : أنّ السنّة اسم مصدر سنّ ولم يذكروا لفعل سنّ مصدرا قياسيا . وفي القرآن إطلاق السنّة على هذا المعنى كثيرا : فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [ فاطر : 43 ] وفسّروا السنن هنا بسنن اللّه في الأمم الماضية . والمعنى : قد مضت من قبلكم أحوال للأمم ، جارية على طريقة واحدة ، هي عادة اللّه في الخلق ، وهي أنّ قوّة الظالمين وعتوهم على الضعفاء أمر زائل ، والعاقبة للمتّقين المحقّين ، ولذلك قال : فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي المكذّبين برسل ربّهم وأريد النظر في آثارهم ليحصل منه تحقّق ما بلغ من أخبارهم ، أو السؤال عن أسباب هلاكهم ، وكيف كانوا أولي قوة ، وكيف طغوا على المستضعفين ، فاستأصلهم اللّه أو لتطمئنّ نفوس المؤمنين بمشاهدة المخبر عنهم مشاهدة عيان ، فإنّ للعيان